خصائص الفن الإسلامي
من أهم خصائص الفن الإسلامي، أنه انبثق من عقيدة
شاملة تنظم حياة المسلم في كل شؤونه، فهذه العقيدة ليست عبادة فقط، وليست أخلاقاً فحسب،
ولكنها تصور كامل للحياة، تكون في ضمير المؤمن بهذه العقيدة، منظومة قيم تنظم العلاقة
بينه وبين الكون من حوله. والفن ما هو إلا تعبير عن قيم حية ينفعل بها ضمير الفنان.
ومن هنا كانت أولى خصائص الفن الإسلامي أنه لم يقتصر على دور العبادة فقط مثل غيره
من المعتقدات، ولم يقتصر على قصور الأسر الحاكمة والطبقة الغنية مثل الفنون المعمارية
المتداولة في الغرب في هذه الحقبة مثل «الروكوكو» و«الباروك».. لكن امتد ليشمل كل مظاهر
الحياة. فن تجريدي الخاصية الثانية: أن الفن الإسلامي انبثق عن عقيدة التوحيد، التي
تبتعد كل البعد عن تجسيم أو تصوير الإله، ومن ثم كانت السمة البارزة للفن الإسلامي
أنه ليس فن محاكاة (تقليد)، ولكنه يقوم على التجريد، ويطلق لفظ التجريد في الفن على
طراز يبتعد فيه الفنان عن تمثيل الطبيعة في إنتاجه، ويعتمد على استخلاص الجوهر من الشكل
الطبيعي وعرضه في شكل جديد. وهذا التجريد هو الميزة الأساسية في الفن الإسلامي الذي
اعتمد على الحرف العربي والزخرفة بأشكال هندسية ونباتية في تناسق وتناغم مثَّل كنزاً
فكرياً ومعيناً لا ينضب لخيال الفنانين، ومثَّل خطوة متقدمة في الفن لم يصلها الفنان
الغربي إلا من خلال مدارس الفن الحديث في أواخر القرن التاسع عشر كما سنرى. وبهذه الخاصية
كان الفنان المسلم بحق سابقاً لعصره. روح واحدة والخاصية الثالثة: أن الفن الإسلامي
على تنوع أنماطه، واختلاف بلدانه بثقافاتها المتنوعة، وعلى امتداده الزمني، تجمعه روح
واحدة. هذه الروح الواحدة ضمنتها الكلمة القرآنية، والحرف العربي، فحيثما حلت هذه الكلمة
في بلد ما من البلاد التي أشرقت عليها شمس الإسلام تفاعلت مع عناصر الفن السائدة في
الإقليم، وأنتجت فناً إسلامياً. ويستطيع أي ناقد فني، أو متذوق للفنون، أن يزور متحفاً
للفنون الإسلامية، فيدهشه ويبهره تلك الروح الواحدة في تلك الروائع التي جمعت من نتاج
أزمان متباعدة على مدى ألف وأربعمائة عام، كما جمعت من أماكن متباعدة تباعد الصين عن
الأندلس. كما أن تلك الروح شملت الفنون الإسلامية على تنوعها من عمارة وخط وزخرفة ونسيج
وسجاد وخزف وخشب. وتستطيع حتى اليوم أن تدخل إسبانيا فتميز أن هذا أثراً من آثار المسلمين،
وتستطيع إذا ذهبت إلى إندونيسيا أو الصين أن تشخص أي عمارة إذا كانت عمارة إسلامية
بمجرد الاطلاع عليها. عناصر جمالية ومن خصائص الفن الإسلامي تأثره بالبساطة التي دعا
إليها الدين الإسلامي الذي حرَّم استخدام الآنية من الذهب والفضة؛ فطوع الفنان المسلم
عناصر الطبيعة البسيطة ليصنع منها عناصر جمالية تميز فنه الراقي، فاستخدم الخشب، وأبدع
في الحفر والنقش عليه، وزيَّنه بالحرف العربي والزخرفة ليس فقط في محراب المسجد بل
في الأبواب والأثاث المنزلي والمشربيات، واستخدم الجبس، وابتكر الخزف ذي البريق المعدني،
المصنوع من الطين الملون بالأكاسيد. ومن خصائص الفن الإسلامي، أنه ينطبق عليه ما يقوله
نقاد الفنون: «إن الفن الرفيع يخفي ما قد يبذله الفنان من جهد في بنائه»، وأي ممارس
للفن التشكيلي الإسلامي، وأي مقدر له يعلم الجهد الكبير الذي يبذله الفنان للوصول لدرجة
الإجادة في هذا الفن، والوقت الطويل الذي يستغرقه تعلم هذا الفن للموهوبين بالفطرة،
وضرورة الاستمرار في ممارسته وعدم الانقطاع عنه، لتستمر لياقة الفنان مؤهلة له على
الإنتاج، والسبب في هذا نستطيع أن نختصره في التعبير البديع الذي عبر به أبو حيان التوحيدي
على سيد الفنون العربية وهو الخط العربي بقوله: «الخط هندسة روحانية»، فالهندسة تعبر
عن قواعد صارمة تحدد نسب الحرف. ومع كل هذه القواعد الصارمة وضرورة الالتزام بها، لا
يكتمل جمال الإنتاج الفني إلا بروحانية الفنان التي تجعل من حروفه سيمفونية بديعة متجددة
المعاني. تجاوز الزمان والمكان ومن أهم خصائص الفن الإسلامي أنه يتجاوز حدود الزمان
والمكان، فلم يكن يهتم أبداً بتسجيل الأحداث التي يطويها الزمن، ولم يكن له ارتباط
بموضوع معين، فالحرف العربي الذي يستخدمه، والأشكال الهندسية التي يكون منها زخرفته
لا تتعلق بزمان معين ولا بمكان معين؛ فمن خصائص جماليات الفن الإسلامي أنه ترجمة صادقة
لزوال الإنسان والطبيعة والوجود في مقابل أزلية الواحد الأحد. سيمفونية متناسقة ويتفرع
عن هذا الفن المرتبط بالخيال والمتطلع إلى الأزل، أنه ذو عطاء متجدد ضمن له البقاء
بل الخلود، عبر عن هذا الرسام الإيطالي الشهير «آندريو لوتي»: «إن الخط العربي كسيمفونية
متناسقة الأنغام تتجدد كلما نظرت إليها». هذه بعض خصائص الفن الإسلامي، كان لابد أن
نتحدث عنها قبل أن نتحدث عن أثر الفن الإسلامي في الفن الغربي الحديث، وهذا هو موضوع
حديثنا في العدد القادم إن شاء الله.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق